كحلة!

الكاتب ع.ت بتاريخ 29/03/2019 على الساعة 00:26 - 177 مشاهدة

عبدالعزيز ترابي

جلس في المقهى كعادته، اتخذ زاويته المعهودة، أخرج من جيبه قلم و علبة سجائر، ولاعة …. حرك المقعد في اتجاهات مختلفة حتى حصل على وضعية مريحة. ما انتهى من كل هذه الاستعدادات حتى جائه النادل بقهوته ” الكحلة”، من دون طلبها فهو زبون مداوم لا ينقصها سوى التحريك بالمليعقة، أشعل سجارته، ربما من طريقة ارتشافه لها قد تكون هي الأولى هذا الصباح، أعطاها كل الوقت التي تشاء على مهلها.رؤية-الزكاة
فتش في جيوبه بارتجال حتى وجد ورقة جد مطوية حتى ملتصقة، أعاد تأهيلها للكتابة بكل عناية، أمسك بالقلم و وضعه رهن إشارة عقله، عيناه غاية التركيز فوق تلك الورقة حتى سمع صوت امرأة طالبة منه قطعة نقدية ولما لا قطع عوض واحدة، أشار إليها بيده لكي تنصرف دون النظر في وجهها حتى لا يفقد تركيزه، لكنها كانت ملحة، ثم رفع رأسه في وجهها، وجدها : عجوز، تستند على عصى بثياب رثة ، تكاد تقف ، تحمل في يدها طبق به بخاخ يستعمله مرضى الربو و علبة دواء. لم يفكر كثيرا حتى أخرج قطعة نقدية و وضعها جانب العلبة في الطبق. عند تلك اللحظة أثارته العلبة و حملها ليقرأها فلم تكن بدواء؛ هي مجرد مانع للحمل كان معروف في أواسط التسعينات ، حيث كان يتم إشهاره في التلفاز، لا تتفاجأ أيها القارئ الشاب فقد كانت حملات إشهارية كثيرة من أجل تنظيم الأسرة أو بالأحرى تنظيم النسل إن لم نقل الجنس . لقد عشنا هذه الفترة خلال حكم الحسن الثاني. كنا حوالي الثلاثين مليون نسمة. عندما أسمع حينها الإشهار كنت أحس بالفخر لانتمائي لهذا الشعب العظيم من كل الجهات التي تعرفها طبعا، لكن أكثر شيء كان يجعلني عظيم الهمة هو بواسطة ثلاثين مليون مغربي و مغربية إستطعنا الإثقال على هذه الكرة الأرضية، ولنترك هذا الموضوع جانبا حتى تدوينة أخرى.
المهم أن صاحبنا دهش من العلبة فما كان له إلا يعيدها للطبق و يترك العجوز تذهب إلى زبون آخر.
أخرج سيجارة ثانية، أشعلها، أعاد القلم إلى جيبه ، جمع الورقة بعنف بين أصابع اليد دون أن يلفت الإنتباه ثم دسها في جيبه من دون تردد أو تفكير.

سرقت العجوز خاطرته بعد أن سرقها الزمن قوتها و ملامحها ، هي قصة واحدة من قصص تقع في هذا الوطن

الحصول ما بقى ما يعجب

بقلم ع. ترابي

L’image contient peut-être : boisson, arbre et plein air


مواضيع من نفس القائمة

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.