حماية المستهلك : أية مقاربات؟

الكاتب عبد الرحيم جناتي بتاريخ 13/06/2014 على الساعة 10:42 - 2340 مشاهدة

حماية المستهلك : أية مقاربات؟

شكلت المقاربات المتعلقة بحماية المستهلك إحدى أهم المواضيع التي استأثرت باهتمام شرائح عديدة من المجتمع، خصوصافي ظل الارتفاعات الصاروخية لأثمان المنتوجات والبضائع والخدمات، كما أثارت هذه المقاربة جدلا واسعا بين الأوساط الرسمية والشعبية وصلت إلى حد طرح سؤال عريض: ما هو دور الدولة والمؤسسات في حماية المستهلك من المضاربات والارتفاعات المتتالية للأسعار؟ إن مقومات وجود الدولة تدخل ضمن نطاق حماية مواطنيها وأي مساس بالقوة الشرائية وبصحة المواطنين سوف يطرح علامات استفهام حول الجدوى من استقرار أسس ودعائم الدولة. لذلك فإن المغرب عمد إلى إرساء دعائم قانونية لتحصين هذا المنحى، وأثير من خلال هذه القوانين مفهوم الحماية سواء فيما يتعلق بالجانب الصحي أو الجانب المرتبط بإعلام المستهلك. وهو ما يجعلنا نسقط في مطب التعريف المتعلق بالمستهلك والذي لا نجد له تعريفا أدق سوى أنه” كل شخص طبيعي أو معنوي يشتري مادة أو بضاعة أو تقدم له خدمة بقصد إشباع حاجاته ورغباته الملحة وتنتفي هذه الصفة عن كل شخص يتعاقد بقصد أغراض مهنية والسؤال الذي يثور بالفعل إن كانت إن كانت هذه القوانين بالفعل تضمن حماية المستهلك؟ كما ورد في تعريفنا المشار إليه أم أن الحاجة ملحة لإعطاء دفعة قوية لهذه الحماية من خلال قانون حماية المستهلك التي تمت المصادقة عليه في مجلس النواب. وعلى الرغم من راهنية مدونة تهتم بالمستهلك وتكون آلية مبسطة لقوانين الاستهلاك في المغرب تجمع بين دفاتها هذه القوانين المشتتة في إطار خريطة طريق تتيح للمستهلك إمكانية معرفة الآليات والأدوات المستعملة فإنه يسعفنا القول التأكيد بأن هناك مماطلة في إخراج مدونة حقيقية للمستهلك نظرا لتغليب النرجسيات والمصالح الضيقة عن المصالح العامة. ملاحظة أساسية تثير الانتباه تتمثل في شحنة الكلمات المعبر عنها كمفردات لمفهوم المستهلك من خلال قراءة مضمنات القوانين المرتبطة بالحماية القانونية للمستهلك سواء في إطار القانون المتعلق بالزجر عن الغش أو في إطار قانون حرية الأسعار والمنافسة وهذا التلاقي بين المصطلحات المستعملة  يؤكد صدقية هذه الحماية والتوجه العام الذي تهدف إليه من خلال الواجبات التي تقع على عاتق الدولة لتحقيق رغبات الأفراد والاهتمام بالمستهلك  كعنصر لا محيد عنه داخل المجتمع. ستقتصر ضمن هذا لموضوع دراسة هذه الحماية من خلال قانون حرية الأسعار والمنافسة والقانون 13-83 المتعلق بالزجر عن الغش في البضائع. شكل صدور قانون حرية الأسعار والمنافسة رقم  06.99  وفق الظهير الشريف رقم 1.00.225  الصادر في ربيع الأول   1421 ) 5يونيو 2000(  حدثا قانونيا متميزا في بلادنا ومن المنتظرات الأساسية التي هدف إليها المشرع من خلال إصداره الرفع تنافسية الاقتصاد المغربي وهو قانون انضاف إلى البناءات الاقتصادية والتشريعية المجالات المرتبطة بالرقي بالمجالات المعتبر اقتصادية. ويهدف هذا القانون كما جاء في ديباجة التقديم إلى تحديد الأحكام المطبقة على حرية الأسعار إلى تنظيم المنافسة الحرة وإلى تحديد قواعد حماية المنافسة قصد تنشيط الفاعلية الاقتصادية وتحسين رفاهية المستهلكين. ويهدف كذلك إلى ضمان الشفافية والنزاهة في العلاقات التجارية. وبقراءتنا المبسطة لقانون حرية الأسعار والمنافسة وعلاقته بالمستهلك نلاحظ أن المشرع تغيأ من وراء ذلك ثلاثة أهداف رئيسية: ـ تحديد الأحكام المطبقة على حرية الأسعار ـ تنظيم المنافسة الحرة ـ تحديد قواعد حماية المنافسة والهدف من ذلك: ـ ضمان الشفافية ـ ضمان النزاهة في العلاقات التجارية وارتباطا بنفس الموضوع فالملاحظ أن المشرع لم يغفل الإشارة ضمن نطاق المادة 48 و 51 إلى الفاتورة حيث تم  التنصيص أنه يجب على من يبيع منتوجات أو يقدم خدمات يجب أن يسلم فاتورة أو تذكرة صندوق أو أي وثيقة أخرى تقوم مقامها إلى كل مستهلك يطلب ذلك بالتأكيد أن المشرع يهدف من وراء ذلك حماية المستهلكين و إعلامهم معتبرا أن الإخلال بذلك يعتبر تقييدا للمنافسة مضيفا إليها صبغة الوجوبية المرتبطة بالجزاء. وعمد المشرع وضمن نطاق الممارسات المقيدة للمنافسة إلى التأكيد على الممارسات التي يحظر القيام بها وتصور واضعو هذا القانون أن هذا الخطر يدخل في نطاق الامتناع أو التوقيف وهو ما أشارت إليه المواد 49 و 50 نت قانون حرية الأسعار والمنافسة وبالتأكيد فإن هذه الممارسات تلامس في جوانبها المستهلك و تضفي عليه صبغة الحماية. إعلام المستهلك الوجوبية التي أشار إليها المشرع من خلال المادة 47 من قانون حرية الأسعار والمنافسة أشارت بوضوح على أنه “يجب على من يبيع منتوجات أو يقدم خدمات أن يعلم المستهلك عن طريق وضع علامة أو ملصق أو إعلان أو بأي طريقة أخرى مناسبة بالأسعار وبالشروط الخاصة بالبيع أو لإنجاز الخدمة وفي المفهوم القانوني فإن الوجوب يدخل في خانة الالتزام الذي  يقابله الجزاء و انطلاقا مما سبق فإن المشرع و لسد أي فراغ في هذا الباب فقد اعتبر هذا الوجوب يندرج في إطار حماية المستهلك وعدم مفاجأته ويهدف المشرع من وراء ذلك: ـ  الشفافية والوضوح التام بين مختلف العارضين للمواد والخدمات والطالبين لها. ـ  حرية تكوين الأسعار والشروط الخاصة للبيع أو إنجاز الخدمة.إن حرية الاختيار وفق هذه المادة تصبح سهلة نظريا وعمليا فهي تتيح للمستهلك اختيار البضاعة أو الخدمة التي يريد في أحسن الظروف ولعل هذا ما يسمح القول بأن حماية المستهلكين نتيجة منطقية لمفهوم المعادلة بين الجودة والثمن وبالتالي تدخل هذه الحماية في منطق تنمية المنافسة وتطويرها. الاستنتاج الأساسي المرتبط بمقاربة حماية المستهلك من خلال قانون حرية الأسعار يمكن استجلاءه من الضمانات والحقوق، المعترف بها للمستهلك ألا وهي: أولا: تعزيز مفهوم الحق الاقتصادي وذلك بإعطاء المبادرة الفردية مجالها الحقيقي وجعل المستهلك أمام سوق داخلية يغلب عليها طابع الشفافية في المعاملات التجارية ليكون في وضع يختار فيه بكل حرية البضاعة أو المادة أو المنتوج أو حتى الخدمة. ثانيا: منافسة قوية بين الفاعلين الاقتصاديين تتيح إمكانية حرية الولوج للأسواق وتطوير وتحديد محيط المقاولة بالشكل الذي يجعل منها مقاولة منافسة وذلك من أجل الانفتاح على الاقتصاديات العالمية المنافسة وهو ما ينتج عنه في آخر المطاف حماية المستهلك. ثالثا: حماية أوسع للمصالح الاقتصادية للمستهلكين عبر توسيع مجالات العرضوالطلب لبلوغ الفوائد والثمار المبتغاة من دولة الحق  الاقتصادي.

من المعلوم أن قوانين زجر الغش في المغرب عرفت تغييرات عميقة مست جوانبعديدة من القرارات التي اتسمت بعدم فاعليتها وهكذا تم إصدار ظهير بتاريخ 26 مارس 1914 بتعلق بمخالفات قرارات القواد والباشاوات في ميدان الغش.وبتاريخ 14 أكتوبر 1914 صدر الظهير المتعلق بزجر الغش الذي عرف كذلك تغييرات وتتميمات مست خمسة عشر تعديلا. وعرفت أكثر تشددا فيما يتعلق بالجرائم المرتبطة بصحة الأمة ولكن اعتبر القانون 13.83 المشار إليه أكثر القوانين حماية للمستهلك لأن مضامينه وافقت التطور والتغيير الذي طال المجتمع المغربي. سوف أكون أكثر تبسيطا لدراستي لهذا القانون وسأربطه بدراسة مفهوم الحماية الممنوحة للمستهلك والإكراهات المرتبطة بهذه الحماية بالنظر أن مفهوم الحماية يتلخص في إيجاد صيغ  ترتبط بسلامة المواد والبضائع والمنتوجات والخدمات فإن القانون المذكور اعتبر الحق في السلامة  كأحد أهم الركائز التي تتيح سلامة هذه المواد وحدد في إطار قانون 13.83 على أنه يعاقب من ستة أشهر إلى خمس سنوات وبغرامة من 1200 درهم إلى 2400 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط إذا ارتكب الخداع أو التزييف بواسطة منتجات أو معالجات فيها خطر على صحة الإنسان…. وبالتأكيد فإن المشرع هدف من وراء هذه المقتضيات حماية المستهلك وذلك من خلال وضع الحق في السلامة الصحية أحد الركائز المهمة في نطاق هذه الحماية وقصد وضع تصور يرتضي إعلام المستهلك أو المتعاقد عند شرائه لأي منتوج فقد أقر القانون المذكور ضرورة إعلامه وتبصيره بكافة الوسائل والبيانات الكفيلة بتبيان حالات الغلط والخداع والتدليس، حيث نص الفصل الأول على أنه “يعد مرتكبا للغش عن طريق الخداع كل من غالط المتعاقد بوسيلة ما في جوهر أو كمية الشيء المصرح به أو قام خرقا لأحكام القانون 13.83 أو النصوص المتخذة لتطبيقه أو خلافا الأعراف المهنية والتجارية بعملية تهدف عن طريق التدليس إلى تعبيرهما. وحدد جزاء ما يترتب عن هذه الجنحة من ستة أشهر إلى خمس سنوات وبغرامة من ألف ومائتي درهم إلى أربعة وعشرين ألف درهم أو بهاتين العقوبتين فقط. وجاء القانون بمجموعة مسطرية من الإجراءات تهدف أساسا إلى حماية المستهلك  في الإنصات إليه وكذا حرية الاختيار للمستهلك وأكد على عدم الممر بحرية الاستنتاج الأساسي المرتبط بمقاربة حماية المستهلك من خلال قانون زجر الغش يمكن استجلاءه من خلال الملاحظات التالية: أولا: حرية الاختيار بالنظر إلى الضمانات المخولة لهذا المستهلك في هذا الصدد مع تقييد شبه كلي لعارض المادة أو المنتوج بدون المواصفات القانونية المشار إليها في قانون زجر الغش خصوصا في الفصل الخامس منه الفقرة الأولى. ثانيا: وضع وتقنين الآليات الموكول لها الإنصات إلى المستهلك مع تخويلها الإمكانيات الذاتية والمادية للقيام بها وتحديد هذه الآليات حتى يتأتى للمستهلك اللجوء إليها عند الحاجة.ثالثا: اعتبار القانون 13.83 متقدما عن القوانين السابقة مع إضفاء صبغة عليها من خلال التعديلات والتتميمات والتغييرات التي طالت بنيته.المقاربة المحدودة لحماية المستهلك القانونين السالفي الذكر. إن مفهوم الحماية في القانونين المشار إليهما أعلاه يغلب عليهما الطابع النظري خصوصا في قانون حرية الأسعار والمنافسة. فحرية الاختيار وفق المادة 47 من نفس القانون تصبح من الناحية النظرية سهلة أما عمليا فإن المستهلك في ظل اختياراته هذه المرتبطة بين الجودة والثمن يحسن مستوى المنافسة ليس إلا وبالتالي يصبح السؤال المركزي هو بأي مدى نتكلم عن حماية المستهلكين مادام أن هذا الأخير يصبح القنطرة التي تمر عليها القاطرة باعتبار أن المستهلك هو من يصبح المعول عليه في حماية المنافسة الحرة وليس العكس. إن منطق القول يؤكد أن هذا القانون يشير إلى مفهوم قانون حرية الأسعار والمنافسة وأن المستهلك في آخر حلقات هذا المسلسل يصبح المعادلة الضعيفة.حقا إن هذه المادة المذكورة تتكلم عن إعلان الأثمان وهو من ركائز المجتمع الاستهلاكي ولكن يبقى قاصرا على حماية المستهلك لأنه لا يعبر في حقيقة الأمر عن العلاقة بين السعر والجودة بل ولا يعبر عن الثمن الحقيقي في غالب الأحيان للمادة أو المنتوج أو الخدمة لذلك تبقى حرية الاختيار محدودة.

جناتي عبد الرحيم



مواضيع من نفس القائمة

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.