اطلالة للاستاذ عبدالله غيتومي …حديقة الملوك الثلاثة ذلك الماضي المجيد

الكاتب سي عبدالله غيتومي بتاريخ 11/06/2020 على الساعة 22:08 - 67 مشاهدة

  • مادة صحفية مهمة صادرة من صحافي خبير بخبايا دكالة الزميل عبدالله غيتومي
104001802_864175774071215_7488872474521883263_n
حديقة الملوك الثلاثة ذلك الماضي المجيد
أجد نفسي مضطرا أكثر من أي وقت مضى ، إلى أن أسترجع معكم الماضي المجيد لحديقة محمد الخامس أو حديقة الملوك الثلاثة كما أطلقت عليها ذلك أول مرة في مقال صدر لي بجريدة الصباح في 6 شتنبر 2013 ، وذلك لكون الحديقة مقبلة ربما على إصلاحات بعد أن تدهورت أحوالها بفعل سهرات عمومية ومعارض تجارية ، ساهمت في تخريبها وتدمير نباتاتها وأشجارها النادرة .
و مكتب الدراسات الذي يشرف على وضع تصور لإصلاح هذه الحديقة ، يجد نفسه في خضم حديقة ليست ككل الحدائق ، لأنها برمزية وحمولة تاريخيتين ليس فقط محليا ولكن في الوجدان الوطني ، لكل الذين عايشوا ماضيها المجيد واستمتعوا بلحظاته المشرقة ، وعليه أن يتخذ ذلك أفقا واضحا لرسم تصورات للإصلاح لا تخاصم تاريخ الحديقة وتتنكر له .
وبالعودة إلى شيء من التاريخ ، فحديقة محمد الخامس أكملت 100 سنة في عمرها في يوم 19 يوليوز 2013 ، إذ شرع الفرنسيون في تشييدها سنة 1913 ، ولم يكن قد مر على فرض الحماية الفرنسية على بلادنا سوى سنة ونصف ، واختاروا لها من الأسماء ” حديقة الماريشال ليوطي ” الذي دون في لوحة نحاسية مثبتة بحائط مقهى نجمة المحيط البائدة ،في يوم 19 يوليوز 1913″ الجديدة يجب أن تكون دوفيل الفرنسية ” ، وكانت فرنسا اختارت إسم ليوطي تكريما لمقيمها العام القادم من الهند الصينية ، والذي كان صاحب سياستين شهيرتين إخضاع الشعوب بواسطة ” الماندران ” أي بواسطة أعيانها وباشواتها وقوادها ، و” بقعة الزيت ” أي الانتشار التدريجي في المستعمرات .
كانت الحديقة في الفترة بين 1916 تاريخ نهاية تشييدها إلى سنة 1956 تاريخ استقلال المغرب ، حكرا على الفرنسيين ومتنفسا لهم ، وكان ” فاما ” شرطي فرنسي تفنن وزملاؤه آنذاك في التنكيل بكل من يقترب من المغاربة من الحديقة ، التي تحمل زنقة مقابلة لها إسم عبدالقادر بن دريكة ، أحد المغاربة الذي سقطوا برصاص الفرنسيين .
وظلت الحديقة منتزها خلفيا لنزلاء فندق مرحبا المشيد سنة 1932 ، وبحصول بلادنا على استقلالها كان لابد من القطع مع المرحلة الكولونيالية ، وبكل الأسماء التي تحيل عليها ، فبدأت أسماء المعمرين تتهاوى تباعا من شوارع وأزقة المدينة ، على نحو ماحدث بتغيير اسم زنقة كولبير بدرب البركاوي بزنقة عبدالمومن الموحدي وقس على ذلك .
وفي السياق ذاته تهاوى إسم الماريشال ليوطي من الحديقة الكبيرة للمدينة ، ورفع مكانه إسم محمد الخامس بطل التحرير ، وترسيخا لهذا الإسم الكبير ، تم تشييد نصب تذكاري بالرخام يتوسطه مجسم صورة الراحل محمد الخامس بالنحاس ، وظل المجسم مدة استمرت 55 سنة ، وكنا صغارا نرى باعيننا عمالا للبلدية تحت إمرة ” الكابران الحاج موسى ” بأمر من الباشا ” محمد لعلج ” الذي سيصبح فيما بعد عاملا على طنجة يتولون تلميع المجسم النحاسي بالملمعات من ماركة ” فيبوس ” بما يليق بصاحبه من التقدير ، وكان سكان الجديدة وزوارها دأبوا على الوقوف أمام النصب التذكاري للترحم على روح بطل التحرير والدعاء له بالرحمة والمغفرة ، واستمر الأمر كذلك ، إلى أن اسيقظ سكان المدينة على خبر سرقة مجسم صورة محمد الخامس من طرف مجهولين ذات صباح من يوم 25 أبريل سنة 2011 دون أن تحرك السلطات ساكنا وهي التي كانت أقامت الدنيا ولم تقعدها ، سنة 2008 لما اختفت ساعة جدارية تعود إلى سنة 1932 كانت معلقة بمارشي النصاري ” سونطرال ” ، ولم يهدأ لها بال إلا بالعثور على الساعة الفرنسية وإعادتها إلى مكانها التاريخي تتوسط المارشي .
حديقة محمد الخامس أطلقت عليها ” حديقة الملوك الثلاثة ” لأنها تحمل اسم محمد الخامس ونصبه التذكاري وبها ترأس المرحوم الحسن الثاني أروع أحتفالات عيد الشباب سنة 1994 ، وصفق كثيرا لفقرات الحفل التاريخي الكبير ، ووقف إجلالا للوحة قدمها أطفال صغار وهي لوحة ” الطالب ” عندما رددوا أمامه
طالب طالب يايو
أسعدات مو وأبوه
أمولات الخيمة
اعطيني بيضة
باش نزوق لوحتي
لوحتي عند الطالب
والطالب وصحابوا
في الجنة تصابوا
وزارها الملك محمد السادس مرارا في السبعينات عندما كان وليا للعهد ، رفقة محمد عواد المشرف على تربية الأمراء ، وكان يقضي فترات بمقهى نجمة المحيط .
وشكلت الحديقة متنفسا لسكان الجديدة والمراكشيين الذين كانوا يخيمون بكثرة في الجديدة ، وكانت تضم مساحات خضراء باستمرار ، يتعهدها بالعناية ثلاثة أشخاص رحمهم الله وهو ” الشاف علال ” والبستاني ” حارس العياشي ” والحارس ” اللبار “
وكانت رائحة مسك الليل تغطي كل درب البركاوي المجاور ، وكانت الحديقة نفسها تضم صهريجين على شكل ” أكواريوم ” تسبح فيهما أسماك ملونة يحفها فضاء ” البيركولا ” المجاور والذي كانت تتدلى منه أزهار تبهر الناظرين بجمال ألوانها .
وعبر الحديقة نفسها نشرت لوحات تحسيسية لمرتاديها كتب عليها ” احترموا النباتات والأعشاب شكرا “
الكثيرون من سكان الجديدة يتذكرون بحسرة الأيام ، التي كانوا يلوذون فيها بالحديقة للاستراحة على كراسيها المصنوعة من ” الموزاييك ” وهم يصغون إلى أغاني أم كلثوم وعبدالحليم حافظ وفريد الأطرش ومحمد الحياني ، المنبعثة من مقهى ” نجمة المحيط ” في الربوة العالية من الحديقة ، لدرجة أن الكثير منهم حفظ عن ظهر قلب ” رباعيات الخيام ” و”راحلة ” و” سواح ” وأمل حياتي ، نتيجة الإصغاء الدائم إلى أسطوانات نجمة المحيط .
ويذكر أهل الجديدة أن الباشوات الذين تعاقبوا على الجديدة ، ومنهم محمد لعلج والقادري وبن دلة ومولاي الطيب العلوي ، حرصوا على أن تكون الحديقة نموذجا في التنظيم واحترام النباتات والأعشاب ، وكانت تفرض على كل من تطأ قدمه العشب غرامة ” 100 ريال وريال ” ، وتقدم به شكاية إلى المقدم ” البشير بن جامع ” الذي كانت الحديقة تحت نفوذه الترابي .
ويكفي أن يطلع المرء على وثائقي عن الجديدة أنجزه المخرج نبيل لحلو سنة 1964 ليدرك ما كانت تتمتع به حديقة محمد الخامس من جمالية وعشق في قلوب الجديديين وزوار الجديدة .
وأذكر من الطرائف التي وقعت ذات مرة في تاريخ الحديقة ، أن طائر ” عوا ” عشش في أشجار بها في الجهة المتاخمة لفندق مرحبا ، وأن الباشا مولاي الطيب العلوي طلب من بعض القناصة رميها بالرصاص ، وفعلا أجبرتها لعلعته على مغادرة أشجار الحديقة ، لكنها أستقرت بأشجار مثيلة لها بدار العامل ، الذي كان يومها هو فريد الوراق ، لم يرمش للعامل جفن ولم ينم في تلك الليلة بفعل ما كانت تصدره من أصوات ، وفي الصباح جاء الباشا مولاي الطيب بقناصته فأطلقوا عليها رصاصا لتعود إلى حيث كانت باشجار الحديقة .
واليوم وبعد 107 سنة على تشييد الحديقة أصبح واقعها يتسم بالتردي المتواصل ، جراء الإجهاز على نباتاتها وأشجارها وعشبها بفعل تحويلها إلى فضاء للسهرات العمومية وأرض لمعارض سيارات وغيرها . وتلك الأيام نداولها بين الناس .


مواضيع من نفس القائمة

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.