ثقافة : حبي للنوافد ..ومقتي للاماكن المغلقة في انتظار عودة غائب

الكاتب غيثة زهير بتاريخ 03/11/2016 على الساعة 17:15 - 557 مشاهدة

لا أخفي حبي للنوافذ أبدا ..فأنا أمقتُ الأماكن المغلقة ، وأحب فسحة العين باتجاه نافذة مطلة على منظر جميل ..

وإطلالتي على نافذة الطائرة لها وقع خاص في نفسي ، فمنذ نعومة أظفاري وأنا أتوق إلى ركوب الطائرة ، وليس ذلك حبا في السفر ، بل ظنا مني أن باستطاعتي لمس السحاب ..أو ربما المشي عليه ..أو ربما أنام وألعب بقطع الغيوم وأشم عبيرها ..هكذا كنت أتخيل ، وأجملُ اللحظات عندي حينما تدخل الطائرة بين طبقات الغيم ، فتلامس نافذتي ، فأضع يدي على الزجاج ، ثم ألصق خدي بالنافذة ، أرهف السمع لعلي أكتشف عالم الغيوم بأي حاسة من حواسي التي بالغت في تخيل قدراتها ذلك الزمن ..

كان أبي دائم السفر ، وكان غيابه يملأني حزنا وشوقا ، كنت أحتفظ لوالدي بكثير من الكلام ..ذلك الذي تعذر علي إيصاله له في سفره ، كنت أجمع له شيئا من مرح أو نكات أو إنجاز أو تفوق أو هواية ..وأحيانا أحتفظ بكثير من المشاعر الحزينة المتألمة المليئة بالشكوى لما نالني من شغب إخوتي..

كنت أخبئ له كل شيء وأشعر أنه معي في كل شيء..وأني أفعل لأجله كل شيء ..

وكنت أحب أبي – ولازلت- لأنه كان حنوناً ، كريماً ، ورحباً كرحابة السماء التي أراها من نافذة الطائرة ..وقلبه نقيا كنقاء الغيوم ..كنت أنظر عبر نافذتي إلى مساحة افتقداتي له .أطالع الغيوم الصامتة فأشعر أن لها أسرارا ، كما لمشاعري أسرار، وأشعر أن كلانا ينتظر وأن كلانا يترقب…ويمضي الوقت بطيئا إليه ..

وبعد انقضاء عطلتنا معه ، نعود لنركب خطوط الجو ..وأختار لنفسي مقعدا ملاصقا للنافذة ، وأطلب مواساة النافذة والغيوم وأبكي مفارقة أبي ، متجلدة بالصبر ما استطعت ، ومهما اجتهدت لأدس رأسي في تجويف النافذة محاولة إخفاء حزني فإنني أفشل وأعجز ، فأمطار عيني تنهمر عن لوعة الفراق ..كان صعبا أن أفارقه مجددا ، ويزيد الأمر صعوبة تباعد العطلة التالية ، مما يعني أني سأدخل في دائرة الانتظار مجددا ..

وحينما كبرت ..ظلت نافذة الطائرة تعني لي أبي ..فلا زلت حين أراها وأطل منها تعاودني تلك المشاعر من شوق ولهفة وترقب..

 



مواضيع من نفس القائمة

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.