الفنان الشعبي عبد الكربم الفيلالي مسيرة فنية طويلة وقدرة فائقة على نظم القوافي والاشعار

الكاتب مزكان بريس متابعة فنية بتاريخ 19/02/2014 على الساعة 23:06 - 1401 مشاهدة

images (4) images (5) images (6)

 من فيض عبدة وأحراشها ظهر رجل نقش اسمه على جبين الأغنية الشعبية بعصامية قل نظيرها … إنه المطرب الشعبي الشهير عبد الكريم الفيلالي .

إن الحديث عن هذا الرجل حديث يقودنا بالضرورة إلى الحديث عن مسيرة فنية طويلة لا تخلو من مفاجئات ربما لا تعكس ما هو معروف عن الرجل لدى جميع من تعرف عليه فقط من خلال هذا البرنامج الممتع .

من هذه الزاوية ، إذن ، سأحاول التركيز على الوجه الآخر لعبد الكريم … عن المسكوت عنه في سيرة هذا الرجل الذي يعتبر جزء هاما من تاريخ الأغنية الشعبية بالمغرب . وربما هذا الوجه الآخر الذي سنتعرف عليه بعد قليل هو الذي ساهم في تهميش هذا الرجل وجعله غير مرغوب فيه لدى السلطات المحلية والمركزية .من هنا سأركز أولا على عبد الكريم النظًام الذي كانت له قدرة فائقة على نظم القوافي والأشعار … وقد تمكن بهذه الموهبة الربانية الخوض في جميع المواضيع الدينية والاجتماعية … كما تميز هذا الرجل أيضا بالتلحين والعزف والغناء… وبالتالي كان موهبة جماعة وحَفاظا للمتون الغنائية بامتياز ..لم يكن عبد الكريم نظاما تقليديا بقدر ما كان مبدعا وجريئا في طرح بعض القضايا التي تعبر عن هموم الناس … ومن تم كان محط شبهة لدى السلطات المحلية .

كان عبد الكريم هو المؤلف ، والمخرج ، والممثل ، وكانت حلقته هي جمهوره الكبير . وهذا ما جعل السلطات المحلية بأسفي تستنفر جميع عيونها لمراقبة هذا الرجل المشاكس الذي اختار لغة الوضوح والبساطة واللحن الشجي للتواصل مع عامة الناس .

 كان يملأ الساحات الشعبية بشخصيته الصارمة بدون منازع … كان يمتلك شخصية كاريزمية تفرض نفسها على المتفرج سواء في ساحة سيدي بوالذهب ، وباب الشعبة ، والرحبة بحي تراب الصيني ، وسوق الإثنين بحي الكورس إلى جانب الأسواق الأسبوعية بإقليم عبدة .    صحيح أن عبد الكريم كان له منافسين على مستوى الحلقة أمثال حليمة الزاز الذي كان يلعب دور المرأة بطريقة ساخرة إلى جانب آخرين لا يتسع زمن البرنامج لذكرهم لكنه كان له أسلوبه الخاص في التعبير عن العقل الباطني لثقافة القهر . ومن تم يمكن اعتبار عبد الكريم الفيلالي جزء من منظومة الثقافة الشعبية التي صاغتها وبلورتها سنوات السبعينيات .

إنه مطرب بامتياز … استطاع أن ينوب عن ملايين الصامتين في لحظة من لحظات تاريخ عبدة ، حيث تصدى لأسباب الرشوة ، والفساد ، واستنكر بأغانيه الطروبة كل أشكال الظلم والقهر … له حكايات لا يتسع المقام هنا لذكرها مع رجال القضاء بمدينة أسفي ..

images (5)وله حكايات أخرى مع الحملات الانتخابية بمدينة أسفي ، حيث كان يحول الحلقة إلى برلمان مصغر يطلق فيه العنان للسخرية السوداء من بعض وجهاء وأعيان المدينة المدعمين من طرف السلطة لاغتنام الكراسي الممنوحة سواء على صعيد الجماعة أو البرلمان .

كما اشتهر أيضا بإزعاج أحد عمال صاحب الجلالة بإقليم أسفي ، حيث كان يُشهر به في جميع الحلقات التي كان يقيمها بشجاعة قل نظيرها . وهذه الميزة هي التي جعلت حلقة عبد الكريم لا تجد فيها مكانا فارغا على الإطلاق ، وبوأته مكانة مهابة من طرف ساكنة منطقة عبدة قاطبة .

:

عنوان مثير لقصة واقعية اختزلها مطربنا الشعبي في أسطوانة نزلت للسوق في السبعينيات باسم ( يا مطرب يالله نقصرو ) لكنها سرعان ما نفذت ثم صودرت فيما بعد من طرف الرقابة المركزية لمناولتها لموضوع يعتبر وقتذاك من الخطوط الحمراء .

 الحكاية باختصار مع الضابطة القضائية ، لكن هذه المرة خارج مدينته الأصلية حيث تم اعتقاله من طرف ضابطين سريين بمدينة الصويرة .

هذه الواقعة سيحكيها لنا الفيلالي  بصوته الرخيم ، وكلماته الساخرة والشجاعة وإيقاعه الأصيل الذي جعل الغناء الشعبي مقرونا برسالة إنسانية .ورغم السنوات التي مرت على هذه الأغنية فإن ذاكرتي مازالت تحتفظ ببعض مقاطعها التي تقول :

مْشيت لْصويرة عْلَى غافلة

وباش نْزور شي فاميلة

وَوليت قابض كاميلة

وْرَا النوبة مْعَ لَمْساجي

ندْريَسْ وْلَعْرَيْبي ما يَحْشم

بَيْنُو فيا حَنة ليدين

( يا مطرب يالله نقصرو ) عنوان له دلالة واضحة تعكس لا وعي المسؤولين وفهمهم للأغنية الشعبية التي أرادوا لها أن تكون وسيلة ” للقصارة ” وتنويم الطبقات الشعبية وبالمقابل يظهر، هنا ، وعي عبد الكريم الفيلالي المبكرالهادف إلى التعريف بالأغنية الشعبية كرسالة تربوية تسعى إلى نشر الوعي وتقويم اختلالات جذور الفساد وشطط السلطة .

على العموم ، لم يترك عبد الكريم أي موضوع إلا وتطرق إليه بطريقته الخاصة.  فقد جعل ساكنة عبدة ، في زمن ما ، يبحثون عن حلقته مثلما يبحثون عن أغانيه ويقتنونها . ميزته هو كونه كان سليط اللسان . يعبر ، بمعنى ما من المعاني ، عن وجدان الآخرين ، ويحول صمتهم إلى احتفال لقمع القمع . تلك شهادة نالها الرجل عن استحقاق وجدارة . وحولته ، مع مر الزمان ، إلى تاريخ لا بد من إعادة قراءته وفق مقاربات جديدة تعيد للرجل حقه وريادته كمطرب شعبي بامتياز .

 



مواضيع من نفس القائمة

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.